مجموعة مؤلفين

173

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

وحقيقة أن الأخلاق تقتضى عند فلاسفتها مجاهدة الجانب الحيواني في طبائع البشر ، لأن قوامها ضبط الأهواء والرغبات ، وتنظيم الميول الفطرية والعواطف المكتسبة بهداية من العقل ، ولكن الصوفية قد تجاوزا الضبط والتنظيم إلى إثارة صراع باطني بين الجانب الروحي والجانب الحاس في فطر البشر ، وإذا كان الرواقية وأمثالهم قد عمدوا إلى إماتة الذات ، فإن الصوفية عامة قد جاهروا بأن الأخلاق تقضى بتحريم متع الحياة ولذاتها على الإنسان ، وأن ما أباحه الشرع منها قد جاء استثناء من هذه القاعدة ! وقالوا إن الجسم بنزواته وميوله مصدر الشرور والمعاصي ، وسر التصرفات القبيحة والأفعال المذمومة ومن أجل هذا اقتضت تصفية النفس العمل على وأد الغرائز وقمع الرغبات وحبس العواطف وإماتة الجانب الحاس حتى يرتفع حجاب الحس وتصفو مرآة القلب وتتيسر معرفة اللّه عن طريق حبه ! مع أن الدراسات السيكولوجية الحديثة قد أكدت أن النفس البشرية كل متكامل يجمع بين الجانب الإنسانى والجانب الحيواني معا ، وأن صحتها رهن بالإبقاء على الجانب الحيواني مع الاهتمام بتنظيم نوازعه بهدى من العقل ، أما العمل على إماتة الجانب الحاس فإنه يعرض صاحبه إلى اضطرابات عصبية أو انحرافات نفسية لها خطرها على سلامته . وإذا كانت السعادة الفردية قد احتلت مكان الصدارة من فلسفة الأخلاقيين من القدماء ، فإن المحدثين منهم قد نقلوا مركز الاهتمام من هذه السعادة إلى الواجب مبدأ يكفل في نهاية الأمر سعادة المجموع ، لكن ابن عربى لم يكن في وسعه - وقد آمن بوحدة الوجود وما اقتضته من جبرية صارمة - أن يفسح في مذهبه مكانا للإلزام الخلقي بمعناه الدقيق ، واختفى الواجب مبدأ أخلاقيا يسير بمقتضاه سلوك الإنسان ، بل إن دعوته للعزلة كفيلة بأن تمنع قيام قواعد للأخلاق ، لأن هذه القواعد تصبح غير ذات موضوع متى اعتزل الإنسان غيره من الناس ، وقد قنع ابن عربى في تصوير الحياة الروحية بأن ينتهى السالك في معراجه الروحي إلى التحقق بوحدته مع الذات الإلهية ،